top of page

بعد ٢٠ عاماً من العمل في الأمن القومي، تحذّر هذه المرأة الأميركية من مشاكل الصحة النفسية في العمل

بقلم كلارا غالتير (Clara Galtier)

ترجمة ومراجعة: أيمن جواد التميمي

المقالة الاصلية: https://emploi.lefigaro.fr/actu-emploi/apres-20-ans-dans-le-contre-terrorisme-et-la-securite-cette-americaine-alerte-sur-la-sante-mentale-au-travail-20230215


شهادة شخصية: من الحرب في العراق الى البنتاغون وأبواب البيت الأبيض، عملت السيدة ياسمين محمد الجمل في أكثر بيئة إرهاقاً في العالم.


خلال عشرين سنة، عملت السيدة ياسمين في مجال الأمن القومي، اثناء الحرب في العراق وفي مكاتب البنتاغون. هل توجد بيئة مهنية أكثر إرهاقاً من ذلك؟ تتخصّص ياسمين في السياسة الأميركية في الشرق الأوسط والقضايا المتعلقة بالعراق وسوريا والربيع العربي و الإرهاب. فأدّت كل تجاربها، بما أنّ عملت ياسمين كمحللة ومتحدّثة وكاتبة، الى أن تصبح اليوم مختصة بشؤون الصحة النفسية في العمل.


عام ٢٠٠٣ الميلادي (الولايات المتحدة): ما ان تخرجت السيدة ياسمين، حتى أطلقت بلادها تدخلاً عسكرياً في العراق لمحاربة نظام صدام حسين. واستلمت الشابة رسالةً من شركة تريد أن توظّف مترجمين ليعملوا الى جانب الجيش الأميركي. ورد في الرسالة: "تريدون أن تعملوا لدينا؟" السيدة ياسمين وُلِدت في نيويورك وتربّت في مصر فتتكلم اللغة العربية. فتطوعت لتعمل كمترجمة ومستشارة ثقافية وتم فرزها على الفور الى جنوب بلاد الرافدين.


في العراق ، حيث كانت ياسمين تترجم وتساعد في جهود إعادة الإعمار في الجنوب


وتقول ياسمين: "عندما كان عمري ٢١ سنة، بين ليلة وضحاها وجدت أنني في وسط حرب لم اعرف شيئاً عنها آنذاك." أصبحت ياسمين جسراً بين الجنود والشعب العراقي الذي لقّبها ب"ياسمين المصرية." وبعد عودتها الى الولايات المتحدة، لم تجد الشابة الوقت لتفهم ما خبرتْه، بل اتخذت قرار أن تبدأ بمهمة أخرى كانت من أكثر المهام حساسيةً.


خلال سنة ونصف، كانت تترجم المقابلات مع السجناء في غوانتانامو، متهمين آنذاك بأنهم أخطر المجرمين في العالم، وكان عملها ضمن سجن أصبح رمزاً لانتهاكات حقوق الإنسان. فوجدت السيدة ياسمين أنّها تحمل على عاتقها مسؤولية كبيرة. وتضيف: "تعلمت في العراق أن حكومتي لم تكن تقول دائمًا عن حقيقة ما يجري فعلاً في هذه الأماكن البعيدة. فشعرت بأنّه من واجبي أن أرى بعيني واساعد بقدر استطاعتي." فها هي في مقر غوانتانامو، واحتفلت بعيد ميلادها الرابع والعشرين في أوساط الناس الذين كانوا يرتدون الزي العسكري والملابس البرتقالية.


تراكم الصدمات النفسية


في مقالة كتبتها لمجلة "الخطوط الجديدة" (Newlines Magazine) في عام ٢٠٢٠، اعترفت "بأنّني أحمل معي اليوم صور ذلك الزمان وأحاديثه...فأثّرت في عملي وهويتي للأبد." ففي أوساط هذه البيئة المرهقة، كانت السيدة ياسمين منغمسة في قلب الأمن القومي ومكافحة الإرهاب، فما كان منها إلا أن تواجه عاصفتها الداخلية. فبعد ١١ سبتمبر ٢٠١١، كانت أنظار العالم بأسره تركّز على المجتمع المسلم. وتوضح ياسمين: "اعتقدت أنّني عرفت من أنا، وفي الحقيقة لم اعرف. للمرة الأولى كان ينظر إلي في بلد ولادتي، الولايات المتحدة، على انني امرأة عربية ومصرية ومسلمة، كما انني أيضاً امرأة أميركية، أو أحياناً بدل من امرأة أميركية. "هل انت مسلمة؟ هل تعرفين من هم القاعدة؟" وتضيف السيدة ياسمين: "كنت اواجه أسئلة سخيفة لأقصى حد." فهكذا كانت الكثير من الأمور تتقاطع وتتضارب، ولم يتسنَّ للشابة أن تعبّر عن هذه الصدمات النفسية التي كانت تتراكم، وتأخذ الوقت الضروري لفهم هذه الفترات التي تعرضت فيها لضغوطات قوية.


في ظل الجائحة، لم يتكلّم أرباب العمل أبداً لهذه الدرجة عن الصحة النفسية والعافية في العمل، واللتان أصبحتا عبارة عن تحدٍ اقتصادي أمام الشركات في الولايات المتحدة وفرنسا على حد سواء. قال المنتدى الاقتصادي العالمي في عام ٢٠٢١ إنّ التكاليف المتعلقة بمشاكل الصحة النفسية في العالم ستكون بحلول عام ٢٠٣٠ ما يزيد على ٦٠٠٠ مليار دولار...وفي الولايات المتحدة تفترض بعض التقديرات أنّ الاكتئاب بوحده يكلّف الشركات ما بين ٣١ و٥١ مليار دولار كل سنة بسبب خسارة الإنتاجية. ترجو السيدة ياسمين محمد الجمل من أصحاب الشركات أن يرعوا "صحتنا كما ترعون شركاتكم،" مضيفةً أنّ "عقد العمل ينبغي له أن يكون عقداً اجتماعياً مبنياً على العافية، ولا يمثّل ذلك عملاً خيرياً، بل تكون بيئة صحية للعمل هي حجر الزاوية في المجتمع الصحي."


السقوط


تابعت الموظفة الأميركية سيرة عملها بعد غوانتانامو، حيث حصلت على ماجستير العلاقات الدولية في جامعة جورجتاون (Georgetown University)، ومن عام ٢٠٠٨ حتى عام ٢٠١٣، كانت ياسمين مستشارة مختصة بشؤون الشرق الأوسط في مكتب وزير الدفاع لسياسة الشرق الأوسط، لتشغل بعد ذلك منصب معاونة خاصة لثلاثة وكلاء وزارة من عام ٢٠١٣ حتى عام ٢٠١٥. بعدها حدث الانكسار والسقوط في ذروة حياتها المهنية. فبعد العديد من المقابلات من أجل التوظيف، كانت هناك مقابلة نهائية تفصلها عن منصب في البيت الأبيض. لقد أوصى رؤساؤها بشدة بتوظيفها، فكان هناك اجماع على ترشّحها.


بعد مقابلتها مع نائب رئيس الولايات المتحدة حيث عرض عليها العمل معه، ٢٠١٥


ولكن السيدة ياسمين فكّت كل القيود النفسية خلال المقابلة النهائية، فذكرت وفاة أبيها الذي كان صديقها المفضّل كما تسمّيه، وكان قد مات قبل المقابلة بسنتين. وكان أساها طويلاً وأليماً، وأخذت الوقت اللازم لتشرح هذه الفترة من المعاناة النفسية، إلا أنّ هذا التفصيل الذي كان منطقياً بشك عام، لم يولّد النجاح لها هنا، رغم الترقيات المتعددة آنذاك. فتم رفض تنصيبها، مما منعها من الحصول على التصريح اللازم للعمل في أكثر مبنى مراقبةً في العالم. فبين ليلة وضحاها، أحسّت الموظفة الكادحة بأنها تحولت من "معاونة شخص مهم جذاً"، إلى انسانة مهمّشة ومرفوضة، وهي نفس المرأة التي كانت قبل سنوات على متن مروحية مع وزير الدفاع وتراقب أراضي العراق.فتركت واشنطن منكسرةً.


مع وزير الدفاع الأمريكي السابق ليون بانتة في أحد من رحلاته إلى الشرق الأوسط


وتقول تعليقاً على هذه الفترة: "اختفيت من سطح الأرض...لقد نُزعت مني كل هويتي: تلك الهوية التي كانت متمثلة أولاً في أبي ومن ثم في عملي. حطّمني ذلك، كأنّ كل السنوات الماضية التي تراكمت فيها الضغوطات والقلق والحزن، لم تعنِ شيئاً، بسبب أني تجرّأت على الكشف عن ألمي في مقابلة! لم اعرف من أين أبدأ إعادة البناء. للمرة الأولى في حياتي، لم يكن لي ما يشغّلني عن هذه الصدمات كما كان الحال بعد العراق حيث عملت في غوانتانامو وبالتالي انشغلتُ بأمر آخر على الفور."


بمساعدة معالِج نفسي مختص، تخلصتْ السيدة ياسمين من الجراح الماضية شيئاً فشيئاً وأدركت أهمية الصحة النفسية في مجال العمل. فتقول: "كان عندي الامكانيات أن اراجع مختصاً جيداً. أمّا الآخرون، فكيف يتعاملون مع مثل هذه المشاكل؟ ليست لدينا وسائل كافية في مكان العمل لمواجهة الصدمات النفسية، بل نُجبَر على العيش وقمع مشاعرنا ومن ثم العودة الى المكتب كما لو لم يحدث شيء." وخلال الجائحة، بدأت السيدة ياسمين محمد الجمل تتكلم عن تاريخها الشخصي على تويتر، حيث ذكرت هذه الصعوبات النفسية والعبر التي أخذتها منها. وتقول: "وصلتني المئات من الرسائل...يعاني الكثير من الناس بصمت ويظنّون أنّهم الوحيدون الذين يمرون بتلك المعاناة. إنّ أرباب العمل تبرؤوا من الصحة النفسية فترة طويلة جداً، ولا بد من تغيير هذا الوضع."


الدفاع عن الصحة النفسية في العمل


بالإضافة الى المشاكل الشخصية، تشير ياسمين محمد الجمل الى تأثير الأحداث الخارجية على الصحة النفسية الجماعية، مثل العدد الكبير من عمليات إطلاق النار في الولايات المتحدة في ذلك الجانب من العالم، والإرهاب في فرنسا، والجائحة، وكذلك الأزمات السياسية وأزمة تغيّر المناخ.


بالفعل يقول تقرير نُشر في موقع "هارفارد بزنس ريفيو" (Harvard Business Review): "في عام ٢٠٢٠، تحوّل الدعم في الصحة النفسية من فائدة ثمينة الى ضرورة تجارية حقيقية." وفي الفترة الأخيرة شهدنا قيام المسؤول الرئيسي عن السعادة، والضامنين للعافية في العمل من أجل خفض التبديل ودعم التماسك وتعزيز الصداقة في الشركات التجارية. وبدأ الميول الى "الشعور بالرضا" (“feel-good”) يستعمر رموز أرباب العمل وشعاراتهم ويصبح استراتيجية التسويق في مجال التوظيف. ماذا وراء هذه الظاهرة؟ يقول ٤١٪ من الفرنسيين الموظَّفين إنهم يعانون من الضيق النفسي، وذلك تبعاً لاستبيان أجرته شركة "أوبينيون واي" (“Opinion Way”) في يونيو ٢٠٢٢ لصالح شركة "إمبرينت هومين" (“Empreinte Humaine”) الاستشارية. ويقول أكثر من ٢٠٠٠٠٠٠ موظَّف إنّهم يشعرون بالقلق إزاء الاحتراق النفسي المهني، وهذا الرقم ضِعف ما كان عليه قبل الجائحة.


الدوام ٤ أيام في الأسبوع، واتفاق على العمل البعيد عبر النت، ويوم مكرّس للصحة النفسية...يبدو أنّه من المؤكد أنّ الشركات ستبحث عن الحلول من أجل الرعاية الصحية النفسية لعمّالها، ولكن السيدة ياسمين محمد الجمل تقول إنّ ذلك لا يكفي، فتدعو الى إعادة الهيكلة على المستوى التنظيمي. وتضيف بإلحاح: "صحة العمّال حق واجب على المدراء. وعليهم أن يكونوا مثالاً يُحتذى به، خاصةً في بعض المجالات الصعبة نفسياً مثل الأمن القومي." وأرباب العمل في موقف فريد من نوعه يسمح لهم باتخاذ القرارات الاستراتيجية، حيث أنّنا نقضي معظم حياتنا في مكان عملنا أو الخوض في عملنا. وتقول: "ولكن الشركات لم تكن مكان نشعر فيه بأمان حتى نعبّر بكل صراحة عن مشاعرنا ونرعى أنفسنا كما نرعى أجسامنا. لا بد من تغيير هذا الوضع."

144 views0 comments

Recent Posts

See All
bottom of page